الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
41
نفحات القرآن
فواجب الوجود يكون وجوده ذاتياً ، وذاته المقدّسة غير محتاجه إطلاقاً ، في حين لا يملك الممكن في ذاته شيئاً فهو محتاج . وبهذا يُعد احتياج الممكن إلى العلّة من القضايا البديهية والأوّلية والتي لا تحتاج إلى إقامة البرهان ، ومن يتردّد في هذا الأمر فإنّ ذلك يعود إلى عدم الفهم الجيّد لمفهوم الممكن . ثمّ يُطرح هذا السؤال : ما هو سبب احتياج الممكن إلى العلّة ؟ هل السبب هو الوجود أو مسألة الحدوث ؟ أي هل أنّ الأشياء تحتاج إلى العلّة بسبب كونها حادثة أو بسبب كونها موجودة ؟ أو أنَّ الملاك الأصل وهو ( الإمكان ) ؟ وبناء على هذا الدليل فإنّ الاحتياج إلى العلّة يجب أن لا يبحث في أصل وجود الشيء أو في حدوثه ، بل إنّ العلّة الأساسية هي الإمكان . ولا ريب في أنّ الإجابة الصحيحة والدقيقة هي الإجابة الثالثة ، لأنّنا إذا - بحثنا عن معنى الإمكان وجدنا أنّ الاحتياج إلى العلّة متحقّق فيه ، لأنّ - ( الممكن ) وجود ( غير اقتضائي ) أي أنّ ذاته لا تقتضي الوجود ولا العدم . وبملاحظة هذا الاستواء الذاتي يكون في وجوده وعدمه بحاجة إلى عامل ولذا فإنّ الفلاسفة يقولون بأنَّ حاجة الممكن أوّلية ، « حاجة ممكن الوجود إلى العلة أمرٌ بديهي » . ويُستنتج من ذلك أنّ حاجة الممكن إلى واجب الوجود لا تقتصر على ابتداء الوجود فحسب ، بل هي ثابتة في مراحل البقاء كلّها لثبوت الإمكان في حقّ الممكن دائماً لذا فإنّ الحاجة إلى العلّة أمر باقٍ وثابت . وللمثال على ذلك فانّنا حينما نمسك القلم ونحرّكه على قرطاس نجد أنّ حركة القلم تحتاج إلى محرّك من الخارج ويتمثّل في أصابعنا ، فما دامت الحركة في اليد والأصابع فإنّ القلم يتحرّك كذلك ، ويتوقّف بتوقّفها . وأوضح من ذلك ما يوجد في أفعال أرواحنا ، فحينما نعزم على العمل ببرنامج ما نجد أنّ الإرادة والعزم - وهما من فعل الروح - يرتبطان بها ويختفيان حال انقطاع هذا الارتباط . إنّنا مرتبطون بوجود اللَّه كذلك وَهذا الوجود الإرتباطي لا يستقرّ لحظة واحدة بدون ذلك .